ابن كثير
169
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ البقرة : 210 ] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر . قال ابن عباس وكان معهم في التيه « 1 » . وقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو ؟ فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان المن ينزل عليهم على الأشجار ، فيغدون إليه ، فيأكلون منه ما شاؤوا . وقال مجاهد : المن : صمغة ، وقال عكرمة : المن : شيء أنزله اللّه عليهم مثل الطل شبه الرّب الغليظ ، وقال السدي ، قالوا : يا موسى ، كيف لنا بما هاهنا ، أي الطعام ؟ فأنزل اللّه عليهم المن ، فكان يسقط على شجرة الزنجبيل ، وقال قتادة : كان المن ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك ، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق ، حتى كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء ، وهذا كله في البرية . وقال الربيع بن أنس : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه . وقال وهب بن منبه ، وسئل عن المن ، فقال : خبز رقاق مثل الذرة أو مثل النقي ، وقال أبو جعفر بن جرير حدثني محمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر ، وهو الشعبي ، قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أنه العسل ، ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال : [ الخفيف ] فرأى اللّه أنهم بمضيع * لا بذي مزرع ولا مثمورا فسناها عليهم غاديات * وترى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتا * وحليبا ذا بهجة مزمورا « 2 » فالناطف هو السائل والحليب المزمور الصافي منه ، والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن ، فمنهم من فسره بالطعام ، ومنهم من فسره بالشراب ، والظاهر ، واللّه أعلم ، أنه كل ما امتن اللّه به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة ، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا ، وإن ركب مع
--> ( 1 ) الطبري 1 / 133 . ( 2 ) كذا أيضا رواية الأبيات الثلاثة في مخطوط تفسير الطبري وفي ديوان أمية بن أبي الصلت ص 34 - 35 . وقد اختار محقق طبعة دار المعارف في تفسير الطبري الأستاذ محمود محمد شاكر أن يثبت النصّ التالي ، استنادا إلى اجتهاد وتعليل من عنده : رأى اللّه أنهم بمضيع * لا بذي مزرع ولا معمورا نساها عليهم غاويات * ومري مزنهم خلايا وخورا لا ناطفا وماء فراتا * وحليبا ذا بهجة مثمورا انظر تفسير الطبري 2 / 94 - 95 ، الحواشي .